أبي بكر الكاشاني
341
بدائع الصنائع
بل أولى لان من الناس من يقول بجواز الوصية للقاتل وهو مالك ولا أحد يقول بجواز الوصية للوارث فلما لحقتها الإجازة هناك فلان تلحقها ههنا أولى ومنها ان لا يكون حربيا عند مستأمن فإن كان لا تصح الوصية له من مسلم أو ذمي لان التبرع بتمليك المال إياه يكون إعانة له على الحرب وانه لا يجوز وأما كونه مسلما فليس بشرط حتى لو كان ذميا فأوصى له مسلم أو ذمي جاز وكذا لو أوصى ذميا لقوله عليه الصلاة والسلام فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وللمسلم أن يوصى مسلما أو ذميا كذا لهم وسواء أوصى لأهل ملته أو لغير أهل ملته لعموم الحديث ولان الاختلاف بينه وبين غير أهل ملته لا يكون أكثر من الاختلاف بيننا وبينهم وذا لا يمنع جواز الوصية فهذا أولى وإن كان مستأمنا فأوصى له مسلم أو ذمي ذكر في الأصل انه يجوز لأنه في عهدنا فأشبه الذمي الذي هو في عهدنا وتجوز الوصية للذمي وكذا الحربي المستأمن وروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه انه لا يجوز وهذه الرواية بقول أصحابنا رحمهم الله أشبه فإنهم قالوا إنه لا يجوز صرف الكفارة والنذر وصدقة الفطر والأضحية إلى الحربي المستأمن لما فيه من الإعانة على الحراب ويجوز صرفها إلى الذمي لأنا ما نهينا عن بر أهل الذمة لقوله سبحانه وتعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم في دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم وقيل إن في التبرع عليه في حال الحياة بالصدقة والهبة روايتين عن أصحابنا فالوصية له على تلك الروايتين أيضا وكذا كونه من أهل الملك ليس بشرط حتى لو أوصى مسلم بثلث ماله للمسجد ان ينفق عليه في اصلاحه وعمارته وتجصيصه يجوز لان قصد المسلم من هذه الوصية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى باخراج ماله إلى الله سبحانه وتعالى لا التمليك إلى أحد ولو أوصى المسلم لبيعة أو كنيسة بوصية فهو باطل لأنه معصية ولو أوصى الذمي بثلث ماله للبيعة أو لكنيسة ان ينفق عليها في اصلاحها أو أوصى لبيت النار أو أوصى بأن يذبح لعيدهم أو للبيعة أو لبيت النار دبيحة جاز في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يجوز وجملة الكلام في وصايا أهل الذمة انها لا تخلو اما إن كان الموصى به أمرا هو قربة عندنا وعندهم أو كان أمرا هو قربة عندنا لا عندهم وأما إن كان أمرا هو قربة عندهم لا عندنا فإن كان الموصى به شيئا هو قربة عندنا وعندهم بان أوصى بثلث ماله ان يتصدق به على فقراء المسلمين أو على فقراء أهل الذمة أو بعتق الرقاب أو بعمارة المسجد الأقصى ونحو ذلك جاز في قولهم جميعا لان هذا مما يتقرب به المسلمون وأهل الذمة وإن كان شيئا هو قربة عندنا وليس بقربة عندهم بان أوصى بان يحج عنه أو أوصى ان يبنى مسجدا للمسلمين ولم يبين لا يجوز في قولهم جميعا لأنهم لا يتقربون به فيما بينهم فكان مستهزئا في وصيته والوصية يبطلها الهزل والهزل وإن كان شيئا هو قربة عندهم لا عندنا بان أوصى بأرض له تبنى بيعة أو كنيسة أو بيت نار أو بعمارة البيعة أو الكنيسة أو بيت النار أو بالذبح لعيدهم أو للبيعة أو لبيت النار ذبيحة فهو على الاختلاف الذي ذكرنا ان عند أبي حنيفة رحمه الله يجوز وعندهما لا يجوز وجه قولهما ان الوصية بهذه الأشياء وصية بما هو معصية والوصية بالمعاصي لا تصح وجه قول أبي حنيفة رحمه الله ان المعتبر في وصيتهم ما هو قربة عندهم لا ما هو قربة حقيقة لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقية ولهذا لو أوصى بما هو قربة عندنا وليس بقربة عندهم لم تجز وصيته كالحج وبناء المسجد للمسلمين فدل أن المعتبر ما هو قربة عندهم وقد وجد ولكنا أمرنا ان لا نتعرض لهم فيما يدينون كما لا نتعرض لهم في عبادة الصليب وبيع الخمر والخنزير فيما بينهم ولو بنى الذمي في حياته بيعة أو كنيسة أو بيت نار كان ميراثا بين ورثته في قولهم جميعا على اختلاف المذهبين أما على أصلهما فظاهر لأنه معصية وأما عنده فلانه بمنزلة الوقف والمسلم لو جعل دارا وقفا ان مات صار ميراثا كذا هذا فان قيل لم لا يجعل حكم البيعة فيما بينهم كحكم المسجد فيما بين المسلمين فالجواب على أن حال المسجد يخالف حال البيعة لان المسجد صار خالصا لله تبارك وتعالى وانقطعت عنه منافع المسلمين وأما البيعة فإنها باقية على منافعهم فإنه يسكن فيها أساقفتهم ويدفن فيها موتاهم فكانت باقية على منافعهم فأشبه الوقف فيما بين المسلمين والوقف فيما بين المسلمين لا يزيل ملك الرقبة عنده فكذا هذا ولو أوصى مسلم بغلة جاريته أن تكون في نفقة المسجد ومؤنته